يُحْكى أنّ أحدَ السّلاطينِ خَرَجَ مَرّةً يَتَجوّلُ في أنْحاءِ المدينة ، فلاحَظَ أن النّاسَ لم يَعودوا يَهتَمّون بنَظافةِ هِنْدامِهِم وأبْدانِهِم ، وما إنْ عادَ إلى القَصْرِ حتى دعا وزيرَهُ وقال له :
- لقَدْ هالَني ما رَأيت . ولِذا ، عزَمْتُ على بناءِ حَمّامٍ يتَطهّرُ فيهِ النّاسُ بالْمَجّان .
قال الوزيرُ مؤيّدًا :
- نِعمَ الرأيُ يا مولاي.
فقال لهُ السّلْطان :
- جِئْني إذَن ببنّاءٍ ماهِر، يتَولّى تَشْييدَ حمّامٍ يَليقُ بِمَقامي .
جاء الوزيرُ بأمْهَرِ بنّاءٍ في البلاد، فأقامَ حمّامًا بَديعَ الْمِعْمار. وما كاد يَنْهَضُ شامِخًا في وَسَطِ المدينةِ حتّى أمرَ السّلطانُ وزيرَهُ بالبَحثِ عن دَهّانٍ حاذق ، ليَتَولّى طِلاءَ السّقْفِ والقُبّةِ والجُدْران . وما هي إلا أيامٌ حتّى اكتمَلَ الحَمّامُ في أبْهى صورَة ، وصار جاهزًا لاستِقبالِ الناس . عندئذٍ أرسلَ السلطانُ مُناديًا ، يَطوفُ في الشوارعِ ويُعلِن :
أيّها النّاسُ اسْمَعوا !
بإذْنِ مَوْلانا السّلطانْ !
حَمّامٌ على ذِمّتِكُم بالْمَجّانْ !
في الصّبْحِ والعَصْرِ وفي كلِّ آنْ !
هَلُمّوا ! فالنّظافةُ من الإيمانْ !
بَدأ النّاسُ يَتوافَدونَ على الحمّامِ باحتِشام ، ثُمّ أخَذوا يَتَزايدونَ شيئا فشيئًا حتّى صاروا يَتزاحَمونَ أمامَ البابِ بالْمَناكِب . عندئذٍ كَلّفَ السّلطانُ البنّاءَ بإدارةِ الحمّام ، مُقابلَ راتبٍ قارّ يَتقاضاهُ كلَّ شهر . وبفَضْلِ كِياسَتِهِ ورَحابةِ صَدْرِه ، أمْكَنَ لهُ أن يَكسِبَ عَطفَ الزّبائنِ ومَحَبّتَهُم ، فصاروا يَجودونَ عليهِ ببعضِ المال ، فيَصْرِفُهُ لقَضاءِ شؤونِه ، ويَدّخِرُ الرّاتبَ كلَّه .
وكان الدّهّانُ يُراقبُ ذلك في غَيظٍ وحسْرَة ، وهوَ يتَساءلُ بِمَرارة :
- لماذا فَضّلَهُ السّلطانُ عَليّ؟ هُوَ بَنَى وأنا طَليْت ، فلِماذا يَتَمتّعُ هُوَ بهذهِ الخيراتِ كلِّها، وأحْرَمُ أنا منها؟ هذا لَيس مِنَ العَدْلِ في شَيء! بِمَ يَفوقُني ؟
كان الحَسَدُ يأكُلُ صَدرَهُ ، وهوَ يَرى البنّاءَ يَكْسِبُ ما يَكسِبُ ، ففَكّرَ أن يَكيدَ لهُ مَكيدة . وفي فَجْرِ أحَدِ الأيّام ، ذَهَبَ إلى السّلطانِ وكان جالسًا في إيوانِه صُحبةَ الوزير ، فقال له :
- يا مَولاي! لقد وهبَكَ اللهُ قلبًا رحيمًا رؤوفًا بالعباد ، ولكنّ أصحابَ السّوءِ يستغِلّونَ طيبتَكَ للإساءةِ إليك .
استغربَ السّلْطانُ قولَه وسأله :
- ماذا تُخَرّفُ يا رجُل ؟
فقال لهُ الدّهّان :
- الحمّامُ الذي بنيْتَهُ يا مَولاي ، وجعلتَ دخولَهُ مَجّانًا ، لم يَعُدْ كذلك .
ارتسَمَتِ الدهْشَةُ على وجهِ السلطانِ وهو يسأل :
-ماذا قلت !؟ الحَمّامُ لم يَعُدْ مجّانًا !؟
أجاب الدهّانُ قائلا :
- أجلْ ، فالبنّاءُ الذي نَصّبْتَهُ خانَ ثِقتَك ، وجعَلَ الدّخولَ إلى الْحَمّامِ بِمُقابل ، وصار يُجبرُ النّاسَ على الدّفْعِ مُقَدّمًا . ما يَحِزُّ في نفسي يا مولاي أنّ النّاسَ صاروا يتَهامسون فيما بينَهُم ، ويدّعونَ أن البنّاءَ لا يتصرّفُ من تِلقاءِ نفسِه ، وإنّما …
وسكتَ فاستحَثّهُ السلطانُ بقَوله :
- وإنّما ماذا ؟
قال الدّهّانُ :
- أرجو المعذرةَ يا مَولاي ، ولكنْ ذلك ما يُردّدُهُ أصحابُ السوء ، قطع اللهُ ألسنتَهم !
صاح السلْطانُ في غضَب :
- ماذا يقولون ؟ تكلّمْ !
تصنّعَ الدّهّانُ التردّدَ ثُمّ قال :
- يزعَمون أنه إنّما يَفعَلُ ذلك تنفيذًا لِـ…لأوامرِ السّلطان ، وأنّ …وأنّ المالَ الذي يقبِضُهُ ، يذهَبُ … يَذهَبُ إلى خزينَةِ القصر .
ما كاد السلطانُ يَسمَعُ ذلك حتى هاجَ هائجُهُ وصاح بأعلى صوتِه :
- أيها الوزير! اِقْبِضْ على البنّاءِ فَورًا ، ثمّ ضَعْهُ في كيس ، وألْقِ بهِ في البَحر !
اندهَشَ الوزيرُ لتَسرُّعِ السّلطانِ في إصدار حُكْمِه ، دونَ تَقَصٍّ ولا تَحْقيق ، وهو الذي اعتادَ أن يَحْكُمَ بالعَدلِ والإنْصاف ، ولكنّهُ حينما رآهُ على تلك الحال ، لم يَشَأ أن يُجادِلَ أمرَهُ أو يعترِضَ عليه ، بل تَظاهرَ بتنفيذِه ، فأوقفَ البنّاء ، وعِوَضَ أن يُلْقِيَ بهِ في البحر ، قادهُ إلى بَيتِه ، وأخْفاهُ في كوخٍ بالحديقَة ، وأوصى أهلَهُ وخدَمَهُ بكِتْمانِ السّرّ .
أمّا السّلطان ، فقد كافأ الدّهّانَ بتَنصيبِهِ على الحمّام ، عِوضًا عن البنّاء . ومنذُ ذلك اليوم ، صار الدّخولُ إلى حمّامِ السلطان فِعلاً بِمُقابل ، وصار الدّهّانُ يقبِضُ عن كلِّ فرْدٍ مَعلومَ دخولِه ، عدًّا ونقْدًا .
ومرّتْ أيّامٌ دون أن يَطرَأ جديد .
ذاتَ يَوم ، خرَجَ السّلطانُ يَتفَسّحُ في البَحرِ على مَتنِ مَرْكَبهِ ، صُحبةَ زَوجتِهِ ووزيرِه . وبينما كان متّكئًا على حافةِ المركَبِ ، انسلّ منهُ خاتَمُهُ ووقع في البحر ، فصاح قائلا :
- آه ! خاتَمي ! ابتلَعَهُ البَحر !
فقال الوزيرُ يُواسيه :
- دفَعَ اللهُ ما كان أعظمَ يا مولاي .
فهزّ السلطانُ رأسَهُ وقال :
- صدَقْت. دَفع اللهُ ما كان أعظم. هيّا. لِنعُدْ. لقد مالتِ الشمسُ إلى المغيب.
عادوا جميعًا إلى القَصر . وفي آخِرِ المساء ، جاء الصيّادُ المكلّفُ بتَزويدِ القصر بسمَكٍ وفير ، فأمرَ السّلطانُ طبّاخَهُ بأن يحمِلَ قليلاً من ذلك السّمكِ إلى الوزير .
عندما تَسلّمَ الوزيرُ نَصيبَه، اختار منهُ سمكةً وأرسلَها إلى البنّاء، ففرِحَ بها البنّاءُ وشرَعَ في تنظيفِها. وما كاد يشُقُّ بطنَها حتى وجدَ فيه خاتَمًا يلْمَعُ تحتَ ضَوءِ الفانوس . غسَلَهُ ثمّ أخذَ يتفحّصُهُ ويقول :
- هذا الخاتَمُ أعرِفُه ! إنّه …إنّه خاتَمُ السلطان ! نعم . لَطالما أودَعَهُ عندي مع سُبحتِهِ وحافظةِ نقودِه ، كلّما جاء إلى الحمّام .
دسّ الخاتَمَ في جَيْبه ، وذهَبَ إلى الوزيرِ فقال له :
- أيها الوزير ! أتوسّلُ إليكَ أن تقودَني إلى مولانا السلطان .
اهتزّ الوزيرُ وقال لهُ باستِنكار شديد :
- ماذا قلت !؟ أهذا جزاءُ مَن أنقذَكَ من الموت ؟ أتريدُ هلاكي !؟
ردّ عليهِ البنّاءُ بقولِه :
- حاشى للهِ أن أنكِرَ فَضلَكَ أيها الوزيرُ الطيّب، ولكنّي ما عُدتُ أطيقُ البَقاءَ حَبيسَ هذا الكوخ فيما الخائنُ حُرٌّ طليق، لا يَخْشى حسابًا ولا عقابا .
سألهُ الوزير :
- وماذا أقولُ للسلطانِ حينما يراكَ على قَيدِ الحياة، والْمَفْروضُ أن تكونَ كُدْسًا من عِظامٍ نَخِرَة في أعماقِ البحر ؟ هه !؟ هل فكّرتَ في ذلك ؟
أجابهُ البنّاءُ :
- قلْ لهُ إنكَ نَفّذتَ الأمرَ بحذافيرِه، ودعِ الباقيَ عليّ.
وما زال يَستعطِفُ الوزيرَ ويستميلُهُ حتى أقنعَه .
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ